اتفق أهل العلم على ما يلي:

1- لا يجوز العمل بالحديث الضعيف في العقائد، ولا في أصول العبادات أو المعاملات

2- لا يجوز الاعتماد على الحديث الضعيف في بناء الأحكام العملية المشهورة.

3- لا يجوز العمل بالحديث الذي اشتد ضعفه- وهو الحديث الذي لا يمكن جبره, لشدة القادح, كالضعف الشديد في أحد رواته, أو النكارة الشديدة في إسناده, وغيرها من القوادح-أو ما كان موضوعا مطلقا؛ لا في أحكام شرعية،ولا في فضائل الأعمال،ولا تحل روايته إلَا على سبيل القدحِ والتنفير منه .

ووقع الخلاف بينهم في رواية الحديث -الذي خفّ ضعفه والعمل به في الفضائل والرقائق والترغيب والترهيب- ويلحق به المغازي والسير- على ثلاثة أقوال:

القول الأول: جواز رواية الحديث الضعيف والعمل به -مطلقاً-, في الأحكام, وفي الفضائل, والترغيب والترهيب

ودليلهم في ذلك:

- أنّ الحديث الضعيف لمّا كان محتملاً للإصابة, ولم يعارضه شيء قوي جانب الإصابة في روايته فيعمل به.

- ولأنّ الحديث الضعيف أقوى من رأي الرجال

وهو قول ينسب لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي والإمام أحمد ، وهو قول أبي داود السجستاني

القول الثاني: عدم جواز العمل بالحديث الضعيف مطلقاً, لا في الأحكام, ولا في غيرها من الفضائل, والترغيب والترهيب.

ودليلهم في ذلك:

- أنّ الحديث الضعيف إنما يفيد الظنّ المرجوح, والله عز وجل قد ذم الظن في كتابه, كما في قوله تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)

- ولأنّ في الأحاديث الصحيحة غنية عن الضعيف.

وهو قول يحيى بن معين ، والبخاري ،ومسلم، وأبي حاتم الرازي، وابن حزم، وابن العربي، وابن تيمية، وغيرهم.

القول الثالث: الاحتجاج بالحديث الضعيف في الفضائل والترغيب والترهيب, دون الأحكام والحلال والحرام, واشترطوا في ذلك أربعة شروط:

1- أن يكون الضعف غير شديد, فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب, ومن فحش غلطه, وهو شرط متفق عليه.

2- أن يكون الضعيف مندرجاً تحت أصل عام, فيخرج ما يخترع, بحيث لا يكون له أصل معمول به أصلاً.

3- أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته, لئلا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل يعتقد الاحتياط.

4- أن يكون موضوع الحديث الضعيف في فضائل الأعمال.

ودليلهم في ذلك:

- ما رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من بلغه عني ثواب عمل, فعمله حصل له أجره, وإن لم أكن قلته".

- أنّ الحديث الضعيف إن كان صحيحاً في نفس الأمر, فقد أعطي حقه من العمل به, وإلاّ لم يترتب على العمل به تحليل ولا تحريم, ولا ضياع حق للغير.

وهو قول جمهور العلماء.

وبالغ النووي فنقل اتفاق العلماء على ذلك ، وكذلك ملا علي القاري

وقد وردت العديد من الآثار عن السلف في التساهل في رواية الحديث الضعيف في باب الرقائق والفضائل كابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي وأبي زكريا يحيى بن محمد العنبري وعليه عمل الأئمة

قال ابن عبد البر رحمه الله: "أحاديث الفضائل تسامح العلماء قديما في روايتها عن كلٍّ, ولم ينتقدوا فيها كانتقادهم في أحاديث الأحكام".

ويرى ابن تيمية رحمه الله أنّ العمل بالضعيف عند هؤلاء الأئمة, هو مجرد رجاء الثواب المترتب

عليه وخوف العقاب

المناقشات والترجيـح:

- القول الأول: المروي عن الأئمة الأربعة, ليس فيه نصوص من كلامهم, إلاّ مجرد إلزامات, ولازم القول ليس بقول ما لم يلتزم به صاحبه, كما هو مقرر في علم الأصول.

- أما القول الثالث: فالحديث الذي استدلوا به حديث موضوع منكر, كما سبق بيانه.

- ثم إنّ الأمر إذا ثبتت فضيلته من طريق صحيح, لم يحتج إلى الروايات الضعيفة, فلنا في صحيح الحديث ما يغنينا عن سقيمه.

- أما الشروط التي ذكرها أصحاب القول الثالث: فهي في حقيقة أمرها شروط يعجز عن تطبيقها عامة الناس, فهي لا تتيسر إلاّ للمتضلع المتمرّس في علم الحديث

- ثمّ إنّ أولئك المرخصين في رواية الضعيف من أئمة السلف, معلوم عنهم سياق الإسناد,كما يدل عليه المعهود من صنيعهم, وما تشير إليه عباراتهم , فيحدثون بالشيء من تلك الأخبار بأسانيدها, ومن أسند فقد أحال, والإسناد لمن يفهمه، لا لمن لا يفهمه.

"وهذا المعنى بهذا القدر لم يجر عليه حال المتساهلين من المتأخرين في هذه المسألة, فهم يحذفون الإسناد غالباً،وهم يترخصون في التحديث به للعامة منسوباً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، دون بيان, والعامة ربما اعتقدوا بسماعه أو قراءته في الكتب صحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم إنهم جاوزوا فيه الضعيف الصالح للاعتبار, إلى الواهي والمنكر والموضوع.

فمن فعل هذا لم يصح له دعوى الاقتداء بترخيص من ترخص بذلك من السلف, لتجاوزه الصفة التي قصدوا.

- كما أنّ التساهل برواية الحديث الضعيف له آثار سيئة ونتائج وخيمة منها:

توسيع دائرة الضعيف الذي خفّ ضعفه, إلى الأحاديث الواهية المكذوبة.

ومنها: إثبات بعض الأحكام الشرعية التعبدية, بالاستناد إلى الأحاديث الموضوعة, كما هو الشأن في فضائل الأوقات وغيرها.

ومنها: رواية الحديث الضعيف والمنكر, دون بيان حُكمه, كما يفعله كثير من الوعاظ والخطباء, وفي هذا إلباس على العوام أمر دينهم, وغش لهم.

ومنها: انتشار البدع والخرافات, بسبب انتشار هذه الأحاديث الضعيفة.

فالراجح

هو قول المانعين من رواية الأحاديث الضعيفة والاحتجاج بها -مطلقاً-:

- لورود النهي الشديد والوعيد الأكيد, في حق من روى الأحاديث المكذوبة الباطلة.

- ولأنّ الحديث الصحيح يغني عن الروايات الضعيفة, والأحاديث الواهية.

- ولقلّة معرفة الناس بعلوم الحديث في هذا الزمن, فلا يمكنهم التمييز بين الصحيح والسقيم, فلزم الاقتصار على ما صحّ وثبت من الأخبار والروايات.

- ولأنّ في منع رواية الأحاديث الضعيفة والاحتجاج بها, قطع للطريق أمام أهل الأهواء والبدع, كالصوفية وغيرهم, والله تعالى أعلم.

الخلاصة
1- العمل بالضعيف في العقائد لا يجوز إجماعا .

2- والعمل به في الأحكام جماهير أهل العلم على منعه .

3- أما العمل به في الفضائل والتفسير والمغازي والسير فجمهور أهل العلم على جواز الاحتجاج به في هذه الأبواب شريطة أن يكون ضعفه غير شديد وأن يندرج تحت أصل عام وأن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط .

ونقل النووي وملا علي قاري الإجماع على العمل به في فضائل الأعمال لكن الخلاف فيه منقول عن جمع من أهل العلم كأبي حاتم وأبي زرعة وابن العربي والشوكاني والألباني واليه يومئ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ويدل عليه صنيع البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى .

وعلى هذا فلا يعمل بالحديث الضعيف مطلقا في أي باب من أبواب الدين ويذكر حينئذ للاستئناس ، وأشار ابن القيم إلى انه يمكن أن يرجح به أحد القولين المتعادلين .

فالصواب أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقا ما لم يغلب على الظن ثبوته فيصل إلى درجة الحسن لغيره